بلاغة كينغ وكينيدي وأوباما

متابعات “صوتنا نيوز”

قبل 50 عاما، اغتيل اثنان من أعظم من عرفهم العالم من الخطباء، وهما مارتن لوثر كينغ، وروبرت إف كينيدي. غير أن كلماتهما مازالت تتردد في أصداء عالمنا اليوم، كما يقول الكاتب بنجامين رام.

عرف العالم خطبا عظيمة تميزت باستخدام شتى فنون الإقناع، وتركت وقعا شديدا في نفوس مستمعيها. وضمت أمهات الكتب صورا من إعجاز البلاغة، ومُثُلا حركت الأفئدة، بإيقاعات عذبة ومعان جمة، فلم يكن غريبا أن اثنين من أفضل خطباء القرن العشرين، ممن تحين هذا العام الذكرى الخمسين لاغتيالهما، جاء حديثهما محملا بالتأملات الذاتية، والتساؤلات، ومعبرا عن هشاشة الأوضاع في بلادهما.

في الرابع من أبريل عام 1968، والمصادف لاغتيال مارتن لوثر كينغ، كان روبرت إف كينيدي منهمكا في حملة انتخابية في إنديانا سعيا وراء الترشح عن الحزب الديمقراطي. ومع وصوله إلى إنديانابوليس، بلغت كينيدي أخبار اغتيال كينغ. وكان أمام حشد جماهيري، فارتجل رثاء عظيما استلهم فيه مأساته الشخصية المتمثلة في اغتيال شقيقه جون كينيدي قبل خمس سنوات، وكتابات القدماء التي شكلت مداركه.

يومها قال كينيدي إن شاعره المفضل هو شاعر المأساة الإغريقية إسخيلوس، مستشهدا بمقطع من ترجمة إيديث هاميلتون عام 1930 لشخصية أغاممنون الأسطورية، باللغة الإنجليزية، جاء فيها:

في رؤى الليل وأحلام السبات، تهطل الآلام في الروح غزيرة. وتغطي قطرات الذكريات صفحة الروح كأنواء مطيرة. وعلى فيض الدموع المرسل وصراع اللج في النفس الحزينة تبلغ الروح بأوزار الخطاة مرفأ الحكمة. حيث ترسو بين خلجان أمينة: هبة المولى لأبناء الحياة، عرش ربي في السموات الحصينة، نعمة الآلام منجاة العصاة.(هذا النص من ترجمة الكاتب لويس عوض إلى العربية، كما ورد في كتابه بعنوان “ثلاثية أوريست: مـأسأة أغاممنون”).

روبرت إف كينيدييقول روبرت إف كينيدي إن وعيه تشكل من خلال اطلاعه على كتابات القدماء

وقد تركت كلماته الهادئة أثرا عميقا، فبينما شهدت 110 مدن أمريكية شغبا، تفرق الحشد في إنديانابوليس دون حادث يذكر.

وصبيحة اليوم التالي لاغتيال كينغ، تحدث كينيدي في كليفلاند بأوهايو عما وصفه بـ”تهديد العنف الأخرق”، شاجبا ليس فقط عنف الرصاص والانفجار، بل أيضا “العنف المؤسسي، واللامبالاة، واللافعل والتفسخ البطيء”، كذلك الاغتراب الذي يحملنا على “النأي بعيدا عن إخواننا فننظر كغرباء لمن يعيشون معنا في نفس المدينة، ولا يشاطرونا مجتمعنا، من يشاطرونا العيش، ولا يجمعنا بهم سعي مشترك”.

وكان كينغ قد تحدث في إحدى عظاته عن “أننا نُسِجنا معا في نسج قدر واحد”، فاستعار كينيدي التشبيه قائلا “تتفسخ الأمة بأكملها إذا تمزق نسيج عيش نسجه آخر متألما ومتعثرا في محاولته ليظلل به نفسه وأطفاله”.

ومن الصعب ألا يندهش المرء لصراحة عبارة “متألما ومتعثرا”، فتلك الكلمات القليلة تعبر عن محاولاتنا المتواضعة والمتعثرة لخلق عيش جيد، كما تنطق بضعفنا باعتبار أن الإقرار بذلك ليس ضعفا بل قوة.

واتسم باقي خطاب كينيدي بحساسية مفرطة. إذ يقول “علّنا أن نذكر ولو لحين أن من يعيشون معنا هم أخوة يجمعنا بهم قصر الحياة، وأنهم يسعون كما نسعى ليقضوا حياتهم في نفع ورغد يبلغون فيها ما استطاعوا من رضا وشبع”.

مارتن لوثر كينغبذل كينغ جهده ليؤسس ما وصفه بـ”مجتمع محب” مثنيا في كتاباته على محبة “لا تطلب ما لنفسها”

ويضيف “حري بأن نبدأ بتعلم شيء مما يجمعنا من إيمان مشترك وهدف مشترك. وإن لم نعلم شيئا آخر، فلنتعلم كيف ننظر لمن حولنا كبشر مثلنا، فنبذل جهدا أكثر لنضمد جراحنا، ونصير في القلب مجددا أخوة أبناء وطن واحد”.

“محبة شاقة”

وعادة ما يحث الخطيب جمهوره حثا مباشرا على محبة الجميع، ولكن حديث كينيدي اشتمل على عبارات مثل “ولو لحين”، وهي عبارة تنطوي على صراحة غامرة، فلسان حاله يقول: نعرف أنه يجب أن نحب دوما من يشاركوننا المواطنة، ولكن ليس سهلا أن يلتزم المرء بمثل هذا الأمر، على الأقل من جهة مشاعره، وليس يسيرا أن نوقر كل يوم ما يجمعنا من رباط مشترك، ولذا فـ”علّنا أن نذكر” إذ ليس سهلا ألا نقع في مغبة النظر للآخر بصور نمطية تبعث على الارتياب.

لقد عمل كينغ جاهدا لتأسيس ما سماه بـ”مجتمع محب”، وأفرد صفحات مثنيا على المحبة التي “لا تطلب ما لنفسها”، تلك المحبة التي “تحب القريب العدو، ولا تنتظر خيرا في المقابل”، تلك الروح السخية الجسورة التي “تخاطر ببذل الذات”.

إنها التزام نحو الكارهين وغير المحبين، من لا يقابلون الإحسان بالإحسان. إنها محبة شاقة، ليست – بحسب وصف كينيدي – “كالذي يسرد اعتباطا في المجلات… فالمحبة الحقيقية لا تطلب ما لنفسها بل تبذل وتضحي”.

وخلال عظته الأخيرة، التي ألقاها في كنيسة إبينعزر المعمدانية بأتلانتا بولاية جورجيا في الرابع من فبراير 1968، تحدث كينغ عن تلك المحبة الشاقة، واصفا الطريقة التي يود أن يُذكر بها بعد حياته، فقال “أود يومها أن يذكرني الناس فيقولوا إن مارتن لوثر كينغ حاول أن يحب شخصا ما”.

والقول “حاول أن” إنما يشير إلى أن المحبة ليست عملا سهلا وينتهي بعد محاولة أو اثنتين، وهو لا يُختزل بكلمات محفوظة، ولا يعامل بتلك السهولة التي أبدى كينيدي ازدراء لها، فهو وكينغ لم يرغبا في تقديم حلول سهلة أو الانجراف للتعصب، وما أيسر ذلك؛ بل نظر كلاهما إلى القلب باعتباره “العضلة الأهم” بالكيان البشري، فكلما تدرب المرء على الحب كلما أجاده.

باراك أوباماخلال حملة الرئاسة عام 2008 أشاد باراك أوباما بإرث كينغ، مشيرا بتعبيرات كتابية للعلاقة بين جيل كينغ وجيله

في البداية يكون الأمر صعبا، إذ نخطو بحذر متوجسين من الآخرين ونخشى الرفض، ولكن المثابرة تجعل المرء أكثر طلاقة.

وفي اليوم السابق لاغتيال كينغ، وبينما كانت تهديدات القتل قد بلغت أشدها، ألقى القس كينغ كلمة كانت بمثابة استقراء للمستقبل دعم خلالها عمال الصرف الصحي المضربين في ممفيس بولاية تينيسي، تحت عنوان “صعدت إلى أعلى الجبل”.

وصاغ كينغ خلال الكلمة واحدة من روائع الفن والإلقاء، تحركت فيها نبرة البلاغة صعودا وهبوطا، وانتقل فيها بين التشبيهات الكتابية والأسطورية والتاريخية، متحدثا عن أريحا، وعن الجبل الأوليمبي للإغريق، وعن ألاباما، وعن روما القديمة. وبلغ الخطاب ذروته بحديث عظيم من القلب تحدث فيه عن مدى امتنانه للمشاركة في النضال الحقوقي، إذ قال، مستشهدا بالكتاب المقدس، إنه “لوقتِ مثل هذا” جاء إلى العالم.

وبعد أربعين عاما، ألقى باراك أوباما كلمة بكنيسة إبينعرز المعمدانية أشاد فيها بإرث كينغ.

وركزت كلمة أوباما أيضا على المهمشين والمعوزين في ما وصفه بـ”ثنايا الحياة المهملة”. واختتم أوباما إشادته باللفتة الشهيرة “أنا هنا بفضل آشلي”، وذلك في إشارة لإحدى مؤيداته خلال الحملة، بسبب خبرتها وجهودها.

موجات الأمل

وفي بداية حملته الرئاسية الأولى، عاد أوباما بالذاكرة إلى حقبة الحقوق المدنية في سيلما بولاية ألاباما، حيث قاد كينغ مسيرات الحرية عام 1965، وعبر أوباما عن العلاقة بين جيل كينغ وجيله استشهادا بالكتاب المقدس، واصفا كينغ بأنه كان بمثابة “موسى النبي” بأعلى الجبل.

إذ قال “أنا هنا اليوم لأن هناك من خرج سائرا. أنا هنا اليوم لما قدمتموه جميعا من تضحيات من أجلى. إنني أقف على أكتاف عمالقة، شاكرا جيل موسى، دون أن ننسى أن الأمر لم ينته عنده بل كان يتعين أن يأتي الرجل الصالح يُوشع لدخول الأرض، فعلى عظمته وعظمة ما قام به مخرجا الشعب من العبودية، لم يعبر موسى نهر الأردن للدخول إلى أرض الموعد”.

روبرت إف كينيديتحدث كينيدي في كلمة عام 1966 عن “موجات الأمل” – وهو ما كرره أوباما بعد أربعين عاما

ويبدو من المفارقة أن الله لم يسمح بدخول موسى إلى أرض كنعان رحمة به لما يعرف ما سيأتي بعد الدخول من إحباطات. ولكن أوباما استعار الفكرة للإعراب عن قناعته بأن المواطنين أنفسهم هم من سيحملون لواء التغيير، كالقول “نحن التغيير الذي ننشده”، و”نحن من ننتظر”. وبأن بناء القدس لن يكون عمل رجل واحد، بل صحوة مدنية، استشهادا بالآية التي عبرت عنها رؤية الشاعر الإنجليزي ويليام بليك:

“فَقَالَ لَهُ مُوسَى: هَلْ تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا لَيْتَ كُلَّ شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ”.

وفي حديث لطلبة بجامعة كيب تاون عام 1966، وصف كينيدي “الشعور بالنشوة والخطر الذي يعتري ولو أكثر خطوات التقدم سلمية”، آتيا على ذكر “أمواج الرجاء” – وهو ما كرره باراك أوباما في كلمة له بعد أربعين عاما، فأمواج الحزن المتلاطمة ستجابَه بمد من الأمل.

كما قال كينيدي “حين يحل الرجاء محل الخنوع، ويلمس الوعي بالممكن جنبات اليأس”. وفعلا كانت الكلمات الأخيرة التي ألقاها كينغ على الملأ، وترنم بها الناس بعد شهرين بجنازة كينيدي تعبيرا عن هذا الرجاء المهيب: “عيناي قد أبصرتا مجد الرب الآتي”.

Advertisements


التصنيفات :تحقيقات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: