وللمصريين، كما هو الحال مع غالبية شعوب الشرق أبناء الحضارة العربية والفارسية والهندية والصينية، قصة طويلة مع التداوي بالأعشاب، وما ينبت من باطن الأرض من مزروعات فيها شفاء للناس.

طب مصر القديمة

كان المصريون القدماء الأكثر براعة في الطب، إذ يقول عالم المصريات الشهير وارن داوسن إن “أسس العلوم جميعا، خاصة الطب، وضعت في مصر، قبل خمسين قرنا من الزمان”.

أما المؤرخ اليوناني ديودورس الصقلي فيعترف بأن الأطباء اليونانيين كانوا يكملون تعليمهم في مصر، للاطلاع على أحدث ما وصلت إليه مصر في العلوم الطبية.

وهناك 8 برديات شهيرة تعرف بالبرديات الطبية، دونت فيها خلاصة العلوم الطبية في مصر القديمة، وهي برديات إدوين سميث، وإيبرز، وكاهون، وهرست، وبرلين، ولندن، وكارلزبرغ، وشستربتي.

وتتضمن البرديات جميعها وصفات طبية، وتشخيصا للأمراض المنتشرة، وطرق علاجها بنباتات وأعشاب طبية وخلطات مركبة من أنواع عدة من النباتات.

ويعد هذا الإرث العلمي القديم أهم روافد الطب الشعبي في مصر حاليا، حتى أن العديد من الوصفات الشعبية الحالية هي ذات الوصفات التي استخدمها المصريون القدماء لعلاج أوجاعهم ومداواة أبدانهم.

وفي سانت كاترين، أعلى قمة جبلية في مصر، حيث يقع دير سانت كاترين الشهير، يعيش شاب مصري احترف العلاج بالأعشاب اسمه أحمد صالح.

يعرف أحمد جيدا الوصفات القديمة للعلاج من مختلف الأمراض، وقد تمرس على خلط الأعشاب لتخليق أدوية طبيعية.

ويلقب أحمد هنا بالدكتور، لكنه لا يعتبر نفسه طبيبا، وهو أيضا ليس عطارا بل هو كما يقول “معالجا عليما بدقائق جسم الإنسان وخبيرا بالأمراض وطرق علاجها”.

يتكرر نموذج أحمد ابن قبيلة الجبيلية وسط أبناء القبائل البدوية في مصر من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها.

الطب النبوي

وإن كان الطب في مصر القديمة هو أهم روافد الطب الشعبي أو طب العطارين كما يسميه البعض، فإن ما يعرف بالطب النبوي يعد هو الآخر رافدا مهما من تلك الروافد.

واختلط الرافدان بخبرات السنين التي اكتسبها العطارون من مباشرتهم للمهنة، واحتكاكهم بنظرائهم في البلدان الأخرى، فضلا عما حفظوه من كتب السابقين في مجال الطب والتداوي بالأعشاب.

ومن أشهر الكتب كتاب داوود الأنطاكي “تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب”، والمعروف شعبيا بكتاب تذكرة داوود الذي وضعه صاحبه في النصف الثاني من القرن الـ 16 الميلادي.

ويضم الكتاب معلومات عن نحو 3 آلاف نوع من النباتات الطبية والعطرية، وطرق خلطها لمداواة الأمراض التي ظهرت في عصره.

وعلى مساحة تتجاوز ألفي متر مربع يقع سوق العطارين بقلب القاهرة الفاطمية.

ومنذ عقود طويلة، وهذا السوق، مقصد الباحثين عن العطارة بمختلف أنواعها. أما العطارون فهم من أعمار مختلفة ورث أغلبهم المهنة عن الآباء والأجداد.

الرقابة

وقد عكست السينما، كمرآة للمجتمع، لجوء المواطنين، على اختلاف مستوياتهم، للطب الشعبي ووصفاته المجربة، مع انتقاد مبطن لمحاولات بعض العطارين العمل كأطباء.

غير أن هذا لم يمنع المواطنين من اللجوء للعطارين، ولم يوقف العطارين عن تقديم وصفاتهم، ولكن في حدود المساحة الآمنة كما يقولون.

ودفعت هذه القضية المسؤولين في الغرف التجارية إلى المطالبة بملاحقة تجار الأرصفة، وحصار ظاهرة الترويج للأدوية والعقاقير في بعض القنوات الفضائية، وهو ما يواجه بين الحين والآخر بحملات التفتيش والمراقبة، فضلا عن منع بث المواد الدعائية لتلك الأنواع.

وعلى المستوى الرسمي تخضع محال العطارة للتفتيش والمراقبة من قبل وزارتي التموين والصحة.

وتشير الإحصاءات شبه الرسمية إلى أن نحو 70 بالمئة من مواد العطارة المنتشرة في مصر تستورد من الخارج، وبخاصة من دول الهند وإيران والصين وبعض البلدان الأفريقية.

وتطورت محال بيع العطارة لتصبح مراكز تسوق متعددة الأغراض، وسعى الجيلان الثاني والثالث في العائلات التي اشتهرت بالعمل في العطارة إلى تطوير أعمالهما وتوسيع نطاق تجارتهما.

ومن هنا ومع التطورات التي لحقت بالمجتمع بدأ قطاع من العطارين في صناعة خلطات حديثة تستخدم أغلبها في العناية بالبشرة والشعر. وتلقى هذه الأنواع إقبالا من الزبائن خاصة النساء.