الجنرال الألماني الذي غيّر خريطة العالم

يصنّف الجنرال الألماني إريش لودندورف (Erich Ludendorff) كواحد من أهم القادة العسكريين الألمان، خلال فترة الحرب العالمية الأولى.

فمنذ البداية، لعب الأخير دوراً مهماً عقب نجاحه في السيطرة على مدينة لياج (Liège) البلجيكية خلال شهر أغسطس سنة 1914 حيث تمكنت القوات الألمانية بفضل استراتيجيات لودندورف من دحر القوات البلجيكية وأسر الجنرال البلجيكي جيرارد ليمان، فضلاً عن ذلك، برز الجنرال إريش لودندورف لدى الأوساط العسكرية الألمانية على إثر النجاحات التي حققها أثناء معركة تاننبرغ على الجبهة الشرقية أواخر شهر أغسطس سنة 1914 والتي تلقى الروس خلالها هزيمة قاسية حطّت من معنوياتهم.

صورة ملونة اعتماداً على التقنيات الحديثة للجنرال إريش لودندورف

مع حلول شهر أغسطس سنة 1916، عيّن إريش لودندورف ضمن هيئة أركان الحرب الألمانية ليصبح بذلك قريباً من المارشال فون هيندنبور ويتحول تدريجياً إلى واحد من أهم أصحاب النفوذ والقرارات بألمانيا ويقود على إثر ذلك تحركات الجيوش على مختلف الجبهات.

وعلى الرغم من نجاحاته العسكرية، اتجه لودندورف خلال الفترة التالية إلى استغلال نفوذه لاتخاذ جملة من القرارات التي ألقت بظلالها على القرن العشرين وغيّرت خريطة العالم.

على اليمين الجنرال لودندورف، وعلى اليسار المارشال فون هيندنبورغ

خلال فترة الحرب العالمية الأولى، لعب الجنرال إريش لودندورف دوراً في دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب إلى جانب الحلفاء ففي حدود سنة 1917 مارس الجنرال الألماني المخضرم ضغوطاً على القيصر الألماني فيلهلم الثاني، في سعي منه لإقناعه بضرورة اعتماد حرب الغواصات المفتوحة التي ستستهدف بموجبها الغواصات الألمانية دون سابق تحذير جميع السفن التي تبحر باتجاه بريطانيا ومن خلال مثل هذه القرارات سعت هيئة الأركان الحربية الألمانية إلى تجويع البريطانيين عبر القضاء على إمداداتهم.

المارشال الألماني فون هيندنبورغ

وفي الأثناء، مثّل قرار إعادة العمل بنظام حرب الغواصات المفتوحة سابقة خطيرة حيث هددت الولايات المتحدة مرات عديدة بالتدخل عسكرياً ضد ألمانيا في حال تواصل استهدافها للسفن المدنية بالمحيط الأطلسي. وقد جاءت ضغوط لودندورف على القيصر الألماني، والتي كللت بالنجاح، لتعجّل بدخول الأميركيين للحرب.

عقب نجاح ثورة فبراير سنة 1917 بروسيا وانهيار النظام القيصري، صدمت ألمانيا بأسرها عقب سماعها قرار الحكومة الروسية المؤقتة بزعامة ألكسندر كيرينسكي بمواصلة الحرب إلى جانب الحلفاء ضد الألمان. في ذلك الوقت، احتاجت هيئة أركان الحرب الألمانية لنقل قواتها المتواجدة على الجبهة الشرقية نحو الجبهة الغربية لتحقيق تقدم هنالك قبل أي تدخل أميركي محتمل على الساحة الأوروبية ومع رفض الروس الاستسلام خابت آمال الألمان.

الجنود الروس الأسرى عقب معركة تاننبرغ

أمام هذا الوضع السيئ، تحول الجنرال الألماني لودندورف إلى رجل الموقف حيث ساند الأخير فكرة ترحيل القائد البلشفي فلاديمير لينين من سويسرا وتسهيل عودته نحو الأراضي الروسية لقيادة ثورة جديدة هنالك تنسحب على إثرها روسيا من النزاع العالمي. وعلى إثر هذا القرار، ساهم الجنرال إريش لودندورف في نجاح الثورة البلشفية وقيام الاتحاد السوفيتي.

القائد البلشفي فلاديمير لينين

في حدود سنة 1918، خطط الجنرال لودندورف لهجوم كاسح على مواقع الحلفاء على الجبهة الغربية حيث عرف هذا الهجوم بهجوم الربيع. ولقي هجوم الربيع الذي تواصل إلى منتصف شهر يوليو سنة 1918 فشلاً ذريعاً لتجد ألمانيا مع حلول شهر أكتوبر من نفس السنة نفسها فريسة سهلة في يد الحلفاء. أمام هذا الوضع التعيس، اتجه الجنرال إريش لودندورف إلى استغلال نفوذه وصورة البطل القومي التي حظي بها لإلقاء اللوم على السياسيين الألمان وتخوينهم وبسبب ذلك كسب السياسيون الألمان سمعة سيئة رافقتهم طيلة السنوات التي تلت الحرب.

الجنرال البلجيكي جيرارد ليمان

وعقب توقيع معاهدة فرساي والتي قبلت على إثرها ألمانيا بشروط الدول المنتصرة، لعب لودندورف دوراً أساسياً في ظهور أسطورة الطعنة في الظهر والتي سرعان ما انتشرت في مختلف الأوساط الألمانية خلال عشرينيات القرن الماضي. وبناء على ذلك، تحدث الجنرال الألماني لودندورف عن نجاحات عسكرية للجيش الألماني على جبهات القتال زمن الحرب وخيانة داخلية استسلمت على إثرها ألمانيا وخلال السنوات التالية استغل الحزب النازي بزعامة أدولف هتلر هذه الأسطورة لتحميل اليهود والبلشفيين مسؤولية الهزيمة الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى.

رئيس الحكومة الروسية المؤقتة ألكسندر كيرينسكي

سنة 1923، اتخذ إريش لودندورف قرارا آخر أثّر بشكل واضح على مستقبل ألمانيا حيث شارك الأخير إلى جانب أدولف هتلر فيما عرف بانقلاب بافاريا الفاشل خلال شهر نوفمبر وليمثل لاحقا بسبب ذلك جنبا إلى جنب مع القادة النازيين أمام المحاكمة. وفي الأثناء، كسب الحزب النازي شعبية مهمة عقب هذا الانقلاب الفاشل ليبرز على شاكلة الجهة السياسية، المدعومة من قبل أبطال الحرب العالمية الأولى، والتي تسعى بشتى الطرق للحصول على الحكم لإنهاء بنود اتفاقية فرساي ومحاسبة السياسيين المسؤولين عن الهزيمة وإعادة مجد ألمانيا.

وبناء على كل ذلك، ساهم إريش لودندورف طيلة مسيرته في اتخاذ قرارات غيرت مجرى أحداث القرن العشرين حيث لعب الأخير دوراً في دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية الأولى وساهم بشكل مباشر في قيام الاتحاد السوفيتي كما أثّر على الجو السياسي بألمانيا عقب الحرب وشارك في تلميع صورة الحزب النازي وتسهيل صعوده للحكم سنة 1933.

Advertisements


التصنيفات :تحقيقات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: