النصل الحاد

 

40595680_1922731867792928_88030912419201024_n.jpg

منى الجبريني

الدم يتقاطر من السكين , عيناي تحدقان في الأجساد الدامية , طفلان و امرأة غارقين في بحرٍ أحمر لزج . تراجعت للخلف عدة خطوات , تعثرت بمقعدٍ بجانب السرير , تهاوى جسدي على المقعد بينما تتلاحق أنفاسي في ذهول .. هل ما أراه حقيقة أم أن عقلي تعبث به الشياطين ؟! هل يجرؤ بشر على ارتكاب مثل هذه الجريمة ؟!.. الحقيقة , بلى , فالعالم مليئ بالشرور لدرجة أنني لا أستطيع تخيله بدون ذلك الجحيم, فالتاريخ صنعته الخيانات و الدماء .. العشق و الكراهية , الفقر و الجشع , كل هذا العبث لم يكن ليحدث لولا البشر . من كان ليصدق أنني ــ رغم ضآلة حجمي , و سذاجتي المشهودة بين الناس ــ سأرتكب هذا الجُرم اللعين , لا يزال الصراخ يهدر في عقلي , بينما شلالات الدم تغشى بصري , أمسح دماءً خفية عن وجهي , خشية أن تكون قد لوثتني , أحدق بيدي فلا أجد أثرًا لدماء . أنقل بصري إلى الأجساد المترامية .. ولداي و زوجتي .. شقائق قلبي و رفيقة روحي , لم يظن أحدهم أن هذه الليلة ستكون الأخيرة .

استقبلت صباح اليوم بابتسامة عطرة من زوجتي , ثم منحتني قبلة جياشة , لتزرع بروحي الحياة , و تلمع عيني كالنجوم . هممت أقبلها بشغف , فتمنعت في دلال متعللة برؤية الأولاد لنا , أخبرتها أنني لا أمانع في رؤيتهم لنا هكذا , كي يدركوا مدى حبي لها , لعلهما يعاملان زوجاتهما في المستقبل كما أفعل . منحتني (رقية) ابتسامة ملائكية , ثم أعطتني صندوقًا به بعض شطائر الجبن الرومي , البيض بالبسطرمة التي أعشقها , كي أتناولها أثناء عملي بالمصنع . صاح (حسن ) و (حسين ) مطالبين بشطائرهما , قبل الذهاب إلى المدرسة , الاثنان قطعتان من روحي, و ثمرة عشقي لزوجتي . ها هما يستعدان لأول يومٍ لهما في الدراسة , احتفلنا بعيد ميلادهما السابع منذ شهرين , و لم أكن أدرك انه سيكون الأخير .

لم أكد أصل إلى المصنع حتى أبلغني زميلي أن مديرنا يطلبني في مكتبه , كنت أنتظر ذلك الاستدعاء , حيث أنني طالبت بزيادة مرتبي , منذ شهرين , فأنا عاملٌ مجتهد . قضيت عشرين عامًا في هذا المكان , و لم أبخل عليه يومًا بصحتي و مجهودي , حتى الأجازات , كنت أقضيها في المصنع . وقفت أمام المدير مترقبًا , متوجسًا , متأملًا , لكنه لم ينظر نحوي قط , فقط قذفني بكلماته القاطعة . لقد قررت إدارة المصنع بالاستغناء عن خدماتك , نظرًا لعدم الحاجة إليك في الوقت الراهن . يمكنك صرف مكافأة نهاية الخدمة من الشؤون المالية بعد شهرين من الآن . قسمت كلماته روحي , و تشظى عقلي إلى فتاتٍ محترق , كيف سأصرف على أولادي و زوجتي خلال تلك الفترة ؟ و هل سأجد عملًا مناسبًا يحجب عني شر الفقر و الحاجة ؟ . خصلات شعري البيضاء تعلن عن اجتيازي الأربعين عامًا بعدة أشهر , و طاقتي أفنيتها في هذا المكان , من سيقتنع برجلٍ مثلي كي يعمل لديه ؟! بلا شهادةٍ جامعية , لا خبرة لي سوى العمل بالمصانع , و إن عملت بمصنعٍ آخر فلن أحصل على نفس الراتب , سأضطر إلى العمل بثلاث وظائف كي أفي بمتطلبات أسرتي .. أم أنني سأجبر رقية للعمل بأحد المحلات , وأعرّضها لتحرش الملاعين والفجرة . كل شيء يتداعى في ذهني .. كيف سأكمل حياتي بعد اليوم .. و ماذا سيحدث عندما تنتهي نقود المكافأة , هذا إن حصلت عليها في وقتها . ماذا سيحدث إن أراد أولادي شراء قميصًا أعجبهما , و لم يكن معي نقودًا كافية .. لا .. لن أحتمل نظرى الخيبة والعجز في أعينهما , سأموت إن لمحت تلك النظرة في ملامحهما . لن أقبل أن يتشردا في الحياة , و يعيشان كالقمامة تنهشهما ظروف الحياة القاسية . حتى إذا تحملت زوجتي معي الظروف , هل سأتقبل رؤيتها تعاني الفقر والقهر؟ كيف لي أن أراقب روحها , تنهار كل يوم في انتظار معجزة إلهية , تضخ الحياة في أجسادنا المتهالكة .

ذهبت إلى أخي الأكبر , أشكو له فاجعتي المدوية , فاستقبلني باستعلاء , أخبرني أنه لا يستطيع مساعدتي , أن ما يكسبه بالكاد يكفيه , فالغلاء الفاحش قد طال كل شيء , من السجائر و حلوى الأطفال إلى الملابس و الأحذية , حتى المواصلات اليومية لم تسلم من الطوفان . كل واحدٍ فينا منهمكٌ في إصلاح حياته , ولم يعد لدينا القدرة على مساعدة أقرب الناس إلينا , أخبرني بصوتٍ متردد , أنه سوف يبحث لي عن عمل مناسب , ثم تركني مخذولًا , منكسر الرأس , ثم استقل عربة الميكروباص التي يعمل عليها , منطلقًا في طريقه الخاص . كان هو أملي الوحيد , فوالدينا رحلا عن عالمنا منذ سنوات , و لم يتركا لنا سوى المعاناة , أما أصدقائي .. فلا أعرف .. ربما يمنحونني بعض المال , لكن إلى متى ؟ و هل سأعيش هكذا عالةً على الجميع ؟!.

حين عدت إلى المنزل , سألتني زوجتي عن سر عودتي مبكرًا , أخبرتها أنني شعرت بالتعب , فأخذت إذنًا من العمل , أنني سأنام قليلًا حتى يعود الولدين من المدرسة . لثمتني بقبلةٍ حانية , ثم عادت إلى المطبخ , لتجهز طعام الغداء .. كانت رائحة الطعام شهية , صينية البطاطس باللحم تملأ المنزل بنكهة سحرية , أعادت إلى ذهني وقت أن كنت صغيرًا . كانت والدتي تحضّر لنا نفس الطعام , منتصبة في المطبخ كجذع شجرة متين , ضاربة جذورها في الأرض , لا تهزها العواصف و الأعاصير , وجودها كان يمنحني الأمان و الثقة أن كل شيء سيكون على ما يرام , لكنها الآن رحلت وعثرت على راحتها الأبدية . يبدو أن الموت هو الحل الوحيد لجميع مشكلاتنا , فهذا العالم لا يستحق أن نحياه هكذا كالجرذان , يسحقنا الأغنياء كالحشرات , بينما نقبل لعناتهم في ذلٍ و هوان . عقلي تعبث به الهواجس , فأرى زوجتي تعرض جسدها للبيع مقابل الطعام , أولادي يتسولون الرحمة من الطغاة .. لا .. لا ينبغي أن يحدث ذلك أبدًا مهما كان الثمن .

فتحت عيني ببطء لأجدني مستلقيًا على الفراش , وحدي و سط الظلام . نهضت مترنحًا و الغضب ينهش ملامحي , لمحت وجهي في المرآة , عيناي حمراوتان كالجمر , وجهي قاتم كالشيطان . عقلي لا يوسوس سوى بفكرة واحدة للخلاص من كل هذا البؤس , و ليس أمامي سوى تنفيذ هذه الفكرة . فأنا رب المنزل , رئيس جمهورية منزلي , وأحيانًا يضطر القادة لاتخاذ بعض القرارات الحاسمة لحماية شعوبهم من الأخطار , هذا ما ينبغي فعله . اتجهت نحو غرفة الأولاد , فتحت الباب ببطء , لمحت زوجتي نائمةً بجانب الولدين , يبدو أن النوم غلبني و لم أسمعهما يعودان من المدرسة , لا بأس .. ذلك أفضل . أعدت إغلاق الباب , متجنبًا إصدار أدنى صوت , جذبتني قدمي نحو المطبخ , أمسكت بسكين كبير , كان النصل عريضًا و لامعًا كالمرآة , يعكس عيناي المشتعلتين , بينما تغمر روحي الشياطين . يخبرني عقلي أن زوجتي و أولادي سيذهبون إلى عالمٍ أفضل , سيهنأون بسعادةٍ أبدية , لا شقاء فيها .

أتأمل زوجتي الغارقة في الأحلام الوردية , وجهها الناعم الجميل , شفتاها تبتسمان كأنها تمنحني مباركتي لما سأقوم به . كتمت أنفاسها وشققت عنقها بحركةٍ سريعة قاطعة , لتنفجر الدماء و ينتفض جسدها في هلع . تسيل من عيني الدموع بينما أبتسم قائلًا .. أنا أفعل ذلك من أجلكم يا أحبائي .. ذلك أفضل لكم , ثم قطعت عنقي الحسن والحسين سريعًا دون أي ندم .. فأنا واثقٌ أن الملائكة سوف تستقبلهما بسعادة بالغة , سينشدان معهم ترانيم البراءة و السرور الأبدي …

مستشفى الصحة النفسية
الحادية عشر صباحًا

وقف الطبيب ذو الشعر الرمادي يتناقش مع زميلته بشأن المريض رقم 113 , بعد اطلاعه على الملف الخاص به .
ــ يبدو أنه لا يزال تحت تأثير الصدمة .
ــ هذا صحيح , لقد طلبت منه كتابة ما يظن أنه قام به , فكتب ما قرأته منذ قليل ..
ــ إنه في حالة إنكار شديدة و يحتاج بعض الوقت كي يدرك حقيقة ما حدث .
ــ ربما سوف تساعده رؤية زوجته وولديه بخير .. فمحاولته قتلهم باءت بالفشل , حيث أن زوجته استيقظت في الوقت المناسب , واشتبكت معه في شجارٍ عنيف , أدى إلى ارتطامه بحافة السرير و فقدانه الوعي .
ــ سنرى ما سيحدث .. أين هو الآن ؟
ــ إنه الآن في الحديقة يقابلهم ..
اتجه الطبيبان إلى حديقة المستشفى , ليراقبا ذلك اللقاء المنتظر

No automatic alt text available.
Advertisements


التصنيفات :ادب, روايات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: