العبَّاسة

No automatic alt text available.

محمود حسن

عصماء ” 1 “

في رحلةِ صيدٍ برِّيَّةْ
بينَ المأساةِ وملهاتِكْ

وأنا أبتَكِرُ الفَّخَّارَ عرائِسَ ناطِقَةً
بينَ يَدَيْ
والطِّينُ البِكْرُ على ثوبي ، يتَوَضَّأُ مُشْتَبِكاً بِضَفائِرِ شَعْري ، كالحِنَّاءِ الهِنْدِيْ

هذا إبريقُ الماءِ ، وهذي الجَرَّةُ ، والمبخرُ ، والمِزرابُ ، وحصَّالةُ مصروفِ الأولادِ ، و تَنُّورُ الخُبْزِ البلديْ ، قِدْرٌ لطعامِ الفقراءِ إذا نَضِجتْ أطيابُهْ
يَتَسَابقْ مِسكينٌ وثَرِيْ

بَيْني والطِّينِ حكاياتٌ شتَّي ، وأغانٍ ، وتُراثٌ ، وحديثٌ لَيْلِيْ

صَدِّقْني يا هارونُ إذا أخْبَرْتُكَ يوماً
أنَّي أنْفُخُ في الطِّينِ بإذن اللهِ ؛ كما ينْفُخُ فيه نَبِيْ

كانَ لنا قصْرٌ من طينٍ ، وحدائقُ كُبْرى وبراحٌ مُمْتَدٌّ ، وهواءٌ لم يتَلَوَّثْ بمؤامرةِ الحاضرِ والبَدَوِيْ

كُنَّا أصحابَ الدولةِ في دولَتنا ، ولنا في كلِّ بقاعِ الأرضِ وزيرٌ أو عامِلْ
ما أعظمَ عصْرَ الفَّخَّارِ ، نقاءَ الأرضِ الحُبْلى بالمطرِ النازلِ من جنَّاتٍ يملكُ مفتاحَ سَحابَتِها ريحٌ رَبَّانِيْ

جِئتَ إلينا بين جنودكَ ؛ فامتلأ الأفْقُ غباراً
دكَّتْ أرضَ الفَخَّارِ سنابِكُ خيلِكَ والفرسانِ

وطَلَبْتَ الماءَ اسْتَمطَرْناهُ
ما كانَ لِيَعْنِينا هذا الموكبُ والجاهُ
عارٌ يلْزَمُنا دهْراً
إن حُجِبِ الماءُ عن الظَّمآنِ

لكِنْ عيناكَ تَوجَّهَتا تِلقاءَ عيوني ، زَلْزَلتا عقلَ العَصْماءِ ، تَوَغَّلَتا بينَ الشُّطآنِ
أَقْلَقَتا قلباً لم يَنْبِضْ يوماً ، أخْرَجتا أُنْثايَ المَخبوءةَ في بِضْعِ ثوانِ

وَ تَحَسَّسْتُ الشَّعرَ المُهْمَلَ والمُنْسابَ على كَتِفي ؛ ونَظَرْتُ لِعَيْنَيَّ .. و جَرَّةُ مائي مِرْآةٌ لا تكذِبْ
أَتَأَمَّلُ هذا الوجهَ الأنْثَى ؛ فَيُحَدِّثُنِي المَرْمَرُ والنَّهْدانِ

واللهِ لقدْ كُنْتُ نَسيتُ أنوثةَ عصماءٍ ، يا باعثَ عصماءٍ من جُبِّ النِّسْيانِ

أشهدُ أنْ ما ارْتَفَعَتْ من هارونٍ في وجهِي يَدُهُ
يَشْهَدُ ذِمِّيٌّ ما هَدَّتْ دولةُ هارونٍ مَعْبَدَهُ
بِئْرٌ عُثُمانِيَّ السُّقْيا وطريقٌ عَبَّدُهُ
وأقولُ كقَوْلِ زُبَيْدةَ إنَّ جناحي مَسْجِدُهُ

ما جِئْتُ الآنَ لِأَكْشِفَ تاريخاً كَذَّاباً ، أو أفْضَحَ سَيِّدَهُ

جِئْتُ وفي جَنْبَيَّ السِّكِّينُ المَلَكِيْ
ما إنْ علموا أن جَنيناً في أحشائي
حتَّى انطلقَ الغَضَبُ الحَاقدُ والدَّمَوِيْ
كَسَروا الفَّخار على رأْسي ، ذَبَحوا أشيائي بينَ يَدَيْ

نحنُ الإخوةُ والأصهارُ وأصحابُ الدِّينِ الواحدِ والحرفِ الأَزَلِيْ
لكنْ إنْ ظهرتْ ثمَّةَ أطماعٍ في الكُرْسِيْ
يَشْنُقْنا الشيخُ المُفتي ، والجِنِرالُ القائدُ ، والشعبُ المُتَسَلْسِلُ في الميدانِ الكَاذِبِ ، والعِرْقُ النَّافرُ
والدُّولارُ العَرَبِيْ

محمود حسن عبد التواب
الأشمونين ٤ أكتوبر ٢٠١٨ م

” 1 ” عصماء

صانعة الفخار التي تزوجها الخليفة هارون الرشيد في رحلة صيد ، وأنجبت له أحمد .

Advertisements


التصنيفات :شعر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: