الشتاء أنقذ روسيا وأنهى عظمة إمبراطورية

خلال الفترة المعاصرة، يصنف المجتمع السويدي كواحد من أكثر المجتمعات المسالمة والمدافعة عن القيم الإنسانية، فضلاً عن ذلك تمتعت السويد بفترة سلام امتدت لأكثر من قرنين حيث تعود آخر مشاركة لها في حرب إلى زمن الحروب النابليونية مطلع القرن التاسع عشر.

صورة لملك السويد غوستاف الثاني أدولف

لكن قبل حوالي 400 عام، صنفت إمبراطورية السويد ضمن قائمة القوى العظمى بأوروبا. فخلال عهد غوستاف الثاني أدولف (Gustav II Adolf) والملقب أيضاً بغوستاف أدولف العظيم تمكنت السويد، والتي افتقرت للكثافة السكانية مقارنة بكل فرنسا وروسيا، من تكوين جيش متطور اعتمد أساساً على الفرق الصغيرة السريعة المجهزة بالبنادق والمدافع، حيث اتجه ملك السويد حينها للتركيز على الأسلحة الحديثة والتكوين العسكري لتخطي عقبة النقص العددي.

صورة لملك السويد شارل الثاني عشر

ومع حلول ستينيات القرن السابع عشر، توسعت إمبراطورية السويد بشكل سريع لتشمل أراضي فنلندا ومناطق عديدة من البلطيق وشمال ألمانيا وبولندا، فضلاً عن ذلك فرضت البحرية السويدية هيمنتها على بحر البلطيق. وبالتزامن مع ذلك، عمل الملك السويدي شارل الحادي عشر (Charles XI) على الدفاع عن ممتلكات بلاده بشتى الطرق ليتعاظم بفضل ذلك نفوذ هذا الملك والذي فارق الحياة بشكل مفاجئ يوم الخامس من شهر أبريل سنة 1697 عن عمر يناهز 41 سنة، تاركاً الحكم لابنه شارل الثاني عشر (Charles XII) والذي كان يبلغ من العمر 15 سنة فقط. وعلى إثر ذلك، حمل هذا الطفل، المنحدر من سلالة بالاتينات (Palatinate)، على عاتقه مهمة الدفاع عن الحدود المترامية للسويد.

صورة لملك السويد شارل الحادي عشر

ومع تولي الطفل شارل الثاني عشر لمنصب ملك السويد، اتجهت كل من روسيا والدنمارك وبولندا إلى تشكيل تحالف ثلاثي موجه ضد السويد، حيث سعت هذه القوى الثلاث إلى استغلال تولي طفل لعرش السويد لشن حملة عسكرية عليها، وانتزاع بعض من ممتلكاتها. وخلافاً لكل التوقعات، تمكن شارل الثاني عشر من إلحاق هزيمة مذلة بالتحالف الثلاثي، فمع حلول سنة 1700 شنت القوات السويدية هجوماً مباغتاً على كوبنهاغن أقصت من خلاله الدنمارك بشكل مبكر من الحرب.

رسم تخيلي لمعركة بولتافا

وخلال معركة نارفا (Narva) الواقعة بإستونيا حالياً، تمكنت الجيوش السويدية من إلحاق هزيمة مذلة بالقوات الروسية والتي كانت تفوقها عدداً، حيث قدر عدد السويديين خلال المعركة بنحو 12 ألف جندي، بينما تجاوز عدد الروس 40 ألفاً.

وعقب حملة عسكرية ناجحة بالأراضي البولندية، تمكنت الفرق السويدية بقيادة الجنرال رهنسكولد (Rehnskiöld) من تدمير الجيوش الروسية وحلفائهم السكسونيين بمعركة Fraustadt سنة 1706، وعلى إثر هذا النصر حصل ملك السويد شارل الثاني عشر البالغ من العمر حينها 24 سنة على لقب إسكندر الغرب، حيث اتجه الجميع لتشبيه حملاته العسكرية بحملات الإسكندر المقدوني.

رسم تخيلي لملك السويد شارل الثاني عشر وهو مصاب عقب معركة بولتافا

وقبل نابليون بونابرت، والذي غزا روسيا بنصف مليون جندي، وأدولف هتلر، والذي جهز ما يزيد عن 3 ملايين جندي لتدمير الاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية، اتجه ملك السويد شارل الثاني عشر إلى غزو الأراضي الروسية وضمها إلى ممتلكاته مستعيناً بحوالي 40 ألف عسكري، ليقع الأخير في خطأ عجّل بنهاية عظمة إمبراطوريته وظهر على إثره مصطلح الجنرال شتاء (General Winter).

صورة للجنرال راهنسكولد

ومع بداية الحملة العسكرية السويدية على الأراضي الروسية، لم يتردد الروس بقيادة القيصر بطرس الأكبر (Peter the Great) في اعتماد خطة تقليدية أقدموا من خلالها على التراجع دون خوض أية معركة، وفي طريقهم لم يتردد جنود القيصر في إحراق المحاصيل وتخريب الأراضي في سعي منهم لتجويع الجيش السويدي، والذي أجبر في النهاية على تناول لحم أحصنته، فضلاً عن ذلك لم تتردد الفرق الروسية في مهاجمة التعزيزات السويدية التي أرسلت للملك شارل الثاني عشر لقطع الإمدادات عنه.

رسم كاريكاتيري ساخر للجنرال شتاء اقتبس من احدى الصحف الفرنسية سنة 1916

ومع حلول شهر ديسمبر سنة 1709، عاشت القارة الأوروبية على وقع أسوأ شتاء منذ أكثر من 500 سنة لتضاف على إثر ذلك أزمة أخرى للجيش السويدي، والذي تجمد الآلاف من جنوده شدة البرد.

وخلال صيف سنة 1709، خاض ما تبقى من الجيش السويدي معركة ضد الروس عند منطقة بولتافا (Poltava) بأوكرانيا حالياً، وخلالها تراجع عدد السويديين إلى نحو 20 ألفاً. واستغل القيصر الروسي بطرس الأكبر التفوق العددي لقواته ليلحق هزيمة قاسية بالسويديين، فرّ على إثرها الملك شارل الثاني عشر بأعجوبة رفقة حوالي 500 من جنوده.

أسفرت هذه الحملة العسكرية عن نتائج كارثية، فسرعان ما فقدت إمبراطورية السويد عظمتها لتخسر تدريجياً جانباً هاماً من ممتلكاتها بالبلطيق. فضلاً عن ذلك، أجبرت السويد لاحقاً على خوض غمار حرب دفاعية ضد كل من بريطانيا وبروسيا وفي مقابل كل هذا دعمت روسيا مكانتها بالبلطيق عقب إنشائها لمدينة سانت بطرسبرغ.

Advertisements


التصنيفات :تحقيقات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: