فإفراجه عن برانسون، الذي سبق وأن تعهد ببقائه سجينا يأتي ضمن سلسلة طويلة من المواقف البطولية “الخادعة”، التي يكتسب على أثرها أردوغان شعبية مؤقتة لا يمتد تأثيرها خارج مواقع التواصل الاجتماعي.

وقبيل الحكم بالإفراج عن القس، الجمعة، تسربت أنباء في الصحافة الأميركية عن صفقة سرية عقدتها إدارة ترامب، بشأن برانسون، مع أردوغان الذي قال سابقا: “لن يفرج عن هذا الإرهابي ما دمت حيا” ثم حاول مساومة الأميركيين في إحدى خطبه، بقوله: “خذ قسك وأعطني قسنا الذي لديك”، في إشارة إلى رجل الدين فتح الله غولن الذي يتهمه أردوغان بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، وهو ما لم يحدث.

اعتذار أردوغان

وتعد أزمة القس الأميركي، التي هبطت بسببها الليرة التركية إلى مستويات قياسية، الأحدث في مسلسل المعارك الخطابية الخادعة التي اعتاد أردوغان عليها.

ففي يونيو 2016 قال الكرملين إن أردوغان بعث برسالة اعتذار للزعيم فلاديمير بوتن عن إسقاط الجيش التركي طائرة لسلاح الجو الروسي في نوفمبر 2015، قرب الحدود السورية التركية، وذلك بعد أشهر من الخطابات الحماسية الصورية، التي قال فيها الرئيس التركي إنه لن يعتذر.

وعلى نفس المنوال الأميركي في قضية برانسون، فرضت روسيا قيودا تجارية على أنقرة، وقال بوتن إن القيود لن تلغى إلى أن يعتذر أردوغان عن الحادث.

وفي مقابلة مع “سي إن إن” قال: “أعتقد أنه إذا كان على أحد أن يعتذر فليس نحن”، وإن بوتن ارتكب “خطأ كبيرا” عندما قال: “إننا نتعاون مع داعش”.

وكعادته، اعتذر أردوغان في النهاية، وذكر الكرملين أن الرئيس التركي قال في خطاب اعتذاره: “أريد أن أعبر عن تعاطفي وخالص عزائي لأسرة الطيار الروسي الذي توفي وأقول أنا آسف”.

العلاقات مع إسرائيل

وفي الخامس من ديسمبر الماضي، قال أردوغان إن تركيا قد تصل لحد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إذا اعترفت الولايات المتحدة رسميا بالقدس عاصمة لها، في خطوة وصفها بأنها “خط أحمر” بالنسبة للمسلمين.

وبعد يوم من هذا الزعم، اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، لكن أردوغان لم يقطع علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل حينها.

وبسبب العنف في غزة ومقتل متظاهرين فلسطينيين على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية، “لمح” أردوغان إلى احتمالية حظر تركيا بعض السلع الإسرائيلية، التي تستوردها بلاده، لكنه لم يفعل.

وفي خطاب آخر، في أبريل الماضي، قال أردوغان لإسرائيل: “أنتم دولة إرهابية. معروف ما فعلتموه في غزة، وما فعلتموه في القدس. لا يوجد من يحبكم في العالم”.

وبعد 5 أشهر، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التقى أردوغان برؤساء المنظمات اليهودية الأميركية التي لعبت دورا كبيرا في قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ورغم هذه التصريحات الشعبوية الزائفة، اختفت تركيا عن قائمة الدول والهيئات الـ20 الأكثر دعما للشعب الفلسطيني عام 2016، التي أصدرتها الأمم المتحدة.

أردوغان وهولندا

وفي مارس 2017 وصف أردوغان هولندا بأنها من “فلول النازيين والفاشيين” بعدما سحبت الحكومة الهولندية تصريح الهبوط لطائرة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو في أراضيها، لأنه “كان يحشد التأييد لخطط أردوغان لتوسيع سلطاته”، بحسب ما قالت السلطات في مدينة روتردام.

وفي كلمة له في فرنسا، وصف مولود جاويش أوغلو هولندا بأنها “عاصمة الفاشية” لأنها انضمت لدول أوروبية أخرى في منع ساسة أتراك من تنظيم تجمعات مؤيدة لسلطات أردوغان الواسعة في استفتاء أبريل 2017.

وبعد إجراء الاستفتاء والانتخابات البرلمانية والرئاسية كما خطط لها أردوغان، عاد وزير خارجيته في وقت مبكر من شهر أكتوبر الجاري إلى هولندا، وعقد مؤتمرا صحفيا مشتركا مع نظيره الهولندي، ورحب بتلقي الأسئلة، عدا سؤالا محرجا واحدا.

حينها سأل صحفي هولندي وزير خارجية تركيا، قائلا: “أنت وأردوغان اتهمتما العام الماضي الهولنديين والإدارة الهولندية بالنازية فهل ترى نظيرك الهولندي والهولنديين نازيين؟”.

رد جاويش أوغلو، بالقول: “الإعلام يضلل ويحرف. لا أنا ولا أردوغان قلنا شيئا من هذا القبيل”.