هكذا هزم محمد علي الدولة العثمانية وضمن سيطرته!

منذ توليه مقاليد الحكم في مصر سنة 1805، أدخل محمد علي باشا إصلاحات عديدة على هياكل الدولة، إذ عمد إلى إنشاء الدواوين للنظر في شؤون البلاد، كما برز خلال عهده الديوان العالي، الذي أوكلت إليه مهمة النظر في المشاريع العامة قبل تنفيذها.

إضافة إلى كل ذلك، شهد عهده إصلاحات عديدة طالت قطاع التعليم، حيث أنشئت المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد العليا فضلا عن ذلك لم يتردد والي مصر في تشجيع البعثات العلمية المصرية نحو البلدان الأوروبية.

وإلى جانب التعليم، عرف الاقتصاد نهضة غير مسبوقة. فقد اهتم محمد علي باشا بالزراعة، وأقام السدود وأصلح الأراضي وأمر بشق القنوات وتنظيفها.

كما ازدهر قطاع الصناعة والتجارة بشكل لافت. وشهدت مصر خلال تلك الفترة تشييد مصانع الأسلحة والسفن والسكر والورق والنسيج.

عبر كل تلك الإصلاحات، سعى محمد علي باشا إلى تأمين حاجيات الجيش بالدرجة الأولى وتحقيق الاكتفاء الذاتي لإنهاء التبعية المصرية للعثمانيين.

رسم تخيلي لمحمد علي باشا
إنشاء الجيش والمدارس الحربية

وأولى اهتماما كبيرا بالجيش، وسعى لتكوين قوة عسكرية قادرة على توسيع حدود مصر وزيادة نفوذها بالمنطقة، فأنشأ جيشا نظاميا كانت نواته الفرقة الألبانية، ليتوسع تدريجيا بانضمام العنصر المصري والسوداني وإقرار مبدأ التجنيد الإجباري للفلاحين.

وخلال نفس الفترة، اتجه محمد علي باشا للاعتماد على الفنيين الأوروبيين لتكوين جيشه، ولعل أبرزهم الضابط الفرنسي جوزيف ساف (Joseph Seve) والمعروف لدى المصريين بسليمان باشا الفرنساوي.

إلى ذلك، شهدت مصر ظهور العديد من المدارس الحربية، لتكوين الإطارات العسكرية، ولعل أبرزها مدرسة المشاة بدمياط ومدرسة الخيالة بالجيزة ومدرسة أركان الحرب بالقاهرة.

كما اهتم محمد علي باشا بالأسطول الحربي، فقام بتجهيزه بقطع حربية أوروبية حديثة وأنشأ دارا لصناعة السفن بالإسكندرية لتعويض خسائره بمعركة نافارين (Navarino).

تمثال لسليمان باشا الفرنساوي بمصر
توتر غير مسبوق مع العثمانيين

فمنذ توليه زمام الحكم في مصر، سعى لإقامة إمبراطورية مصرية مستقلة عن العثمانيين، تمتد من منابع النيل بالسودان وصولا إلى جبال طوروس (Taurus) جنوب تركيا.

وعقب نجاحه في ضم السودان خلال الحملة العسكرية ما بين عامي 1820 و1824 ، استاء محمد علي باشا من تصرفات العثمانيين تجاهه وتنكرهم لوعودهم.

فخلال الحرب في بلاد اليونان، تدخل الجيش المصري لمناصرة العثمانيين أملا في الحصول ولاية الشام وضمها إلى مصر. لكن بعد انتهاء المعارك، رفض العثمانيون ذلك، لتشهد العلاقات بين محمد علي باشا والسلطان العثماني توترا غير مسبوق.

رسم تخيلي لمعركة نافارين
حملتان على بلاد الشام

في غضون ذلك، اتجه محمد علي للسيطرة على بلاد الشام لاستغلال مواردها من الخشب وتعويض ما مني به من خسائر في حرب اليونان، فما كان منه إلا أن اتخذ خلافه مع والي عكا، الذي اتهمه بعرقلة نقل الخشب والامتناع عن سداد ديونه وإيواء الفلاحين الفارين من التجنيد، ذريعة للقيام بحملتين عسكريتين على بلاد الشام.

خلال الحملة الأولى، بدأ التفوق واضحا للأسطول المصري، الذي سيطر على غزة ويافا وحيفا دون مقاومة، قبل أن يضرب حصارا شديدا على عكا استمر ستة أشهر، استسلمت إثره المدينة سنة 1832 ليقدم عقب ذلك رؤساء العشائر وأعيان سوريا ولاءهم لمحمد علي.

ومع بداية الحملة، اتخذ السلطان العثماني محمود الثاني موقف الحياد تجاه الأحداث، معتبرا إياها نزاعا بين ولايتين. لكن بعد وقوع عكا في قبضة المصريين، تيقن الأخير بأن الحرب موجهة ضده، فأصدر أوامره بعزل محمد علي باشا من ولاية مصر وعين مكانه حسين باشا وجهزه بجيش وكلفه بمنع تقدم الجيش المصري في الشام.

صورة للخبير العسكري البروسي فون مولك على يسار الصورة وهو يقدم نصائح للمسؤولين العثمانيين قبل معركة نصيبين
هزيمة مذلة للعثمانيين

غير أن ابراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، استطاع أن يسيطر على كل من دمشق وحلب وحمص وحماه، عقب معارك طاحنة هزم خلالها العثمانيون ليجتاز جبال طوروس ويتوغل في الأناضول.

وخلال معركة قونية (Konya) يوم الواحد والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1832، التي استمرت لسبعة ساعات فقط، مني الجيش العثماني بهزيمة مذلة على يد القوات المصرية، التي نجحت في أسر الصدر الأعظم، رشيد محمد خوجة باشا رفقة 10 آلاف من جنوده، لتفتح بذلك أبواب الأستانة أمام الجيش المصري، الذي أصبح على مقربة من إنهاء وجود الدولة العثمانية.

وعلى ضوء تلك المستجدات الميدانية الدراماتيكية، سارعت الدول الأوروبية، وعلى رأسها أنجلترا، إلى التدخل لوقف الحرب حيث تخوفت القوى الأوروبية من إمكانية سيطرة محمد علي باشا على المضائق وتهديده لمصالحهم مفضلين بذلك إنقاذ العثمانيين والمحافظة على دولتهم الملقبة بالرجل المريض لسهولة التفاوض معها.

لوحة زيتية تجسد إبراهيم باشا
اتفاقية كوتاهية

وبناء على ذلك، ضغط الأوروبيون على محمد علي باشا والسلطان العثماني ليتم التوصل إلى اتفاقية كوتاهية (Kütahya) الموقعة خلال شهر مايو سنة 1833 والتي اعترف من خلالها محمود الثاني بسيادة محمد علي باشا على كل من مصر والجزيرة العربية والسودان وكريت والشام وفلسطين مقابل انسحابه من الأناضول.

لم تلب اتفاقية كوتاهية رغبات الطرفين، إذ لم يحصل محمد علي باشا على الاستقلال التام لضمان بقاء امبراطوريته العربية، كما استاء العثمانيون من هزيمة جيشهم المدرب على يد الجيش المصري والذي تكون أساسا من الفلاحين.

وبناء عليه، جهز العثمانيون جيشا من 100 ألف جندي دفعوا به نحو سوريا، حيث تلقوا هزيمة قاسية على يد ابراهيم باشا خلال معركة نصيبين (Nezib) يوم الرابع والعشرين من شهر يونيو سنة 1839.

لوحة تجسد السلطان العثماني محمود الثاني
فوضى في اسطنبول واتفاقية جديدة

وهكذا انضم الأسطول العثماني لمحمد علي باشا، فأشرفت الدولة العثمانية على نهايتها خاصة مع موت السلطان محمود الثاني مطلع شهر يوليو سنة 1839، فانهار الجيش العثماني وشهدت العاصمة اسطنبول حالة فوضى غير مسبوقة.

ومرة أخرى استنجد العثمانيون بالإنجليز، الذين تدخلوا في سواحل سوريا، ليعجز محمد علي باشا عن صدهم، ويجبر عقب ذلك على قبول بنود معاهدة لندن، التي أمرته بسحب قواته من الجزيرة العربية وسوريا وكريت.

وبناء على ذلك أصدر السلطان العثماني فرمانا ضمن فيه لمحمد علي وذريته فيما بعد حكم مصر، على أن تكون تابعة للسلطنة فتدفع الجزية السنوية ويكون جيشها جزءا من الجيش العثماني وتمنع من بناء السفن الحربية.

Advertisements


التصنيفات :تحقيقات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: