رئيس معهد العالم العربي في باريس: العربية كنزٌ إنسانيٌ يجب تسهيل وصول الفرنسيين إليه

في إطار الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية الذي صادف الثلاثاء 18 من ديسمبر الجاري نظم معهد العالم العربي بباريس على مدار خمسة أيام النسخة الرابعة لعيد اللغة العربية، والتي شهدت عدة نشاطات مفتوحة أمام الجميع، من خلال ورش عمل ودورات تدريبية والإملاء للمبتدئين، موجهة خاصة إلى غير المتحدثين باللغة العربية.
جاك لانغ رئيس معهد العالم العربي في باريس ـ وزير التعليم والثقافة سابقا في فرنسا – على هامش هذه الاحتفالية أجريت معه المقابلة التالية:

■ أولا، لو حدثتنا عن هذه الاحتفالية باللغة العربية بمناسبة يومها العالمي وأهميتها
□ في كل خطة أو مشروع أو سياسية عامة يجب أن تكون هناك عمليات يومية، ولكن أيضا بعض الأوقات الاحتفالية تسمح بحشد وتعبئة المهتمين والمحبين لموضوع ما. نحن في معهد العالم العربي نقوم بشكل يومي بتدريس اللغة العربية ونشر الثقافة العربية. واليوم نستغل فرصة الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية الذي تنظمه منظمة اليونيسكو سنوياً، لتنظيم هذه الاحتفالية، التي سنحاول من خلالها التعريف أكثر بالعمل الذي قمنا به، ونُبيّن أهمية اللغة العربية. هي كذلك فرصة للفرنسيين لاكتشاف التعليم الحديث والعلماني للغة العربية الذي نقدمه هنا في معهد العالم العربي.

■ قبل نحو أربعة أشهر، قال وزير التعليم الحالي جان ميشيل بلانكير إنّ اللغة العربية يجب أن لا تدرس فقط للفرنسيين من أصول مغاربية، بل إن تدريسها يجب أن يكون مفتوحاً أمام الجميع، وأثار ذلك حفيظة أحزاب اليمين. بصفتك رئيسا لمعهد العالم العربي ووزير تعليم سابقا، كيف تقيّم وضع اللغة العربية في المدارس الفرنسية منذ الثمانينيات؟
□ اعتبر منذ فترة طويلة أن العربية لغة عالمية ولغة حضارة وثقافة. وأقول حتى إنها تنتمي في العمق إلى تاريخ فرنسا التي أقامت في عهد الملك فرانسوا الأول في القرن السادس عشر علاقات استثنائية مع ما كان يسمى وقتها بالمشرق – أي الامبراطورية العثمانية. وفي تلك الحقبة أنشأ فرانسوا الأول ما يسمى بـ«إعدادية فرنسا» التي لاتزال موجودة حتى اليوم، وطلب أن يتم التدريس بثلاث لغات: الإغريقية والعبرية والعربية. ويعني ذلك أن هذا التقليد يعود إلى حقبة بعيدة. كذلك فرنسا كانت في السراء والضراء حاضرة في عدد كبير من الدول العربية في المشروق والمغرب. إذن، بالنسبة لي فإنه من البديهي والطبيعي أن تكون العربية حاضرة ضمن قائمة اللغات التي يتم تدريسها في المدارس الفرنسية. ولهذا السبب عندما كنت وزيراً للتعليم قررت، في إطار خطة لصالح تعدد اللغات، أن تستفيد العربية كغيرها من اللغات مثل الإنكليزية والألمانية والإسبانية وغيرها، من التدريس المُبكر منذ الابتدائية. ومن أجل ذلك، قمت بخلق عدد كبير من المناصب، لكن للأسف الذين تولوا حقيبة التعليم بعد ذلك لم يتّبعوا النهج نفسه، ليس فقط بالنسبة للغة العربية، ولكن بالنسبة للغات الأجنبية بشكل عام. إذ لم يكن هناك جهد كاف لصالح تعزيز التعدد اللغوي. وبالتالي تضرر تدريس العربية من هذه المسألة. واليوم؛ يعتبر إعلان وزير التعليم الحالي الرغبة في تدريس العربية مع اللغات الأجنية الأخرى أمراً جيداً؛ لكن يجب أن يوفر الوسائل اللازمة عبر خلق مناصب وتنظيم هذه المسألة. هناك أمرٌ جيد أيضا، هو أن عدداً من الجامعات تفتح المجال لتدريس اللغة العربية لمبتدئين كبار في السن، حيث إن هناك المئات يدرسون العربية. إن اللغة العربية هي كنز إنساني. ومن واجبنا تسهيل الوصول إلى هذا الكنز عبر توفير تعلميها في المدارس العمومية. لأنه إذا لم نقم بهذا الجهد ونعطي شبابنا وأطفالنا فرصة اكتشاف هذا الكنز، فإننا نعرض بعضهم لخطر أن يتعلموا هذه اللغة في ظروف سيئة. مثلاً عن طريق إسلامي متطرف قد يستخدم هذا التدريس لغرس أفكار متطرفة. إذن هي معركة ثقافية وسياسية في الوقت نفسه. وأحزاب اليمين المتطرف وبعض الشخصيات من اليمين المحافظ الذين يعارضون بشكل أعمى تدريس اللغة العربية، يكرهون الأجانب ويحاربون الثقافة العربية كلما حضرت الفرصة. ولكن في واقع الأمر، إنهم في تناقض مع أنفسهم لأنه إذا لم تضمن الدولة والمدارس المرتبطة بها وحتى المدارس الخاصة، تدريس اللغة العربية بشكل جيد على الأراضي الفرنسية، فإن ذلك يفتح الطريق أمام غرس دعاية المتعصبين المتدينيين في أذهان بعض أطفالنا. ولكن أؤكد لكم أن أغلبية الفرنسيين يدركون أن تدريس العربية مسألة مهمة.

■ كيف يمكن لمعهد العالم العربي في باريس أن يصبح مركزاً للتميز في تدريس العربية على مستوى أوروبا؟
□ المختصون يؤكدون أن هناك جودة عالية بالنسبة لتدريس اللغة العربية في معهد العالم العربي، لدرجة أننا نضطر للأسف إلى رفض بعض الطلاب أحياناً لعدم وجود أماكن. والتميز لدينا يمكن أن يتأكد أيضا من خلال مشروعنا القائم على منح شهادات عالمية في إتقان اللغة العربية والمعروفة بـ«سمة». وهي أول شهادة معترف بها للغة العربية الحديثة في فرنسا وأوروبا ودول العالم العربي. وقد تم إنجازها بالتعاون مع خبراء في المركز العالمي للدراسات البيداغوجية الذي يعد فرعاً من فروع وزارة التعليم الفرنسية المختص في تقييم اللغات الأجنبية. وتُقيّم «سمة» اللغة العربية حسب المستويات الستة للإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات. فخلافاً لما عليه الحال بالنسبة للفرنسية والإنكليزية وغيرها، فإنه ليس هناك تقييم للمستويات المختلفة بالنسبة للغة العربية، وهو ما يمثل بالنسبة لنا عقبة في ظل عدم وجود تجانس بخصوص تحديد المستويات.

■ بعض الدول الأوروبية تعتمد بشكل متزايد على الثقافة حول الفن والمتاحف للانفتاح على الثقافات العالمية، واستخدامها في الوقت نفسه كأداة للتواصل الثقافي مع العالم.. ما هي وجهة نظركم بخصوص هذا الخَيار؟
□ لقد كنت وسأظل متأكداً أن التعليم والثقافة هما من أهم الاستثمارات بالنسبة لأي بلد لأسباب متعددة. فالثقافة هي روح أي شعب وروح أي حضارة وكرامة الإنسان وازدهاره، وهي كذلك مصدر من مصادر التنمية البشرية والاقتصادية. فالتجارب تثبت أنه عندما تكون هناك جهود كبيرة تصب في صالح الثقافة والتعليم فإن التنمية الاقتصادية مضمونة. بالنسبة للعالم العربي مثلاً، قطر قامت بخطوات كبيرة ومهمة جداً في هذا المجال، مع تدشين متحف الفن الإسلامي في الدوحة عام 2008 ثم متحق الفن الحديث Mathaf في عام 2010 وقريباً سيتم تدشين متحف التاريخ الذي قام بتصميمه المهندس المعماري الذي صمم هذه البناية (معهد العالم العربي في باريس) جان نوفل. ولكن أيضا كما تعلمون هناك دولٌ أخرى انخرطت في هذا المسار وهنا استحضر دولة الإمارات العربية المتحدة مع متحف اللوفر أبوظبي، الذي يشكل نجاحاً ثقافياً كبيراً ليس فقط من حيث الهندسة المعمارية، ولكن أيضا من حيث المردود الاقتصادي.

■ بالنسبة لمشروع الرئيس إيمانويل ماكرون لمساعدة دول الجنوب، بما في ذلك الدول الإفريقية، على إعادة الممتلكات الثقافية المسروقة، أو التي تم التخلي عنها إبان حقبة الاستعمار في ظروف غير طبيعية، هل ترى أنه قابل للتنفيذ؟
□ لقد كنت من المساهمين في ولادة صندوق دولي لتعزيز حماية المواقع والمعالم التاريخية والقطع الفنية الموجودة في البلدان التي تمر بفترة حروب ونزاعات. هذا الصندوق هو حالياً في جنيف وقد جمعنا حتى الآن 300 مليون يورو. من بين أهدافه الرئيسية: إعادة الترميم، وأيضا مكافحة تهريب القطع الفنية، بالإضافة إلى تجهيز أماكن لاستقبال الأعمال الفنية التي هي في حالة خطر. ساهمت كذلك، بشكل نشيط في إعادة قطع فنية إلى الجمهورية الكورية كان قد سرقها جنود فرنسيون في نهاية القرن التاسع عشر. وقد واجهت معارضة شرسة، لكن في نهاية المطاف حصلت على موافقة الرئيس وقتها نيكولا ساركوزي، لإعادة هذه القطع الثمينة والحاضرة جدا في الذاكرة والروح الكورية. بالنسبة لي فإن الروح العامة لمشروع الرئيس الفرنسي لإرجاع أعمال فنية وممتلكات ثقافية إلى الدول الإفريقية التي نهبت أو أعطيت في حقبة الاستعمار، تبدو جيدة. ولكن من الناحية الفنية من الضروري تنظيم الأمور بشكل جيد ومحكم، وهذا هو التحدي الكبير. لقد تم اتخاذ قرار في هذا الشأن يتعلق بإعادة قطع فنية إلى جمهورية البنين وهي خطوة إيجابية نثمنها.

■ أختتم هذه المقابلة، بالتذكير بأن الغالبية العظمى من الفرنسيين وحتى من العرب وغيرهم، يجمعون على أن جاك لانغ وآندريه مالرو؛ هما وزيرا الثقافة في فرنسا اللذان كان تأثيرهما في هذا القطاع ساطعاً في الداخل والخارج؛ كلٌ بطريقته الخاصة طبعاً، أي مشروع ثقافي يعتبر جاك لانغ أن لاغنى عنه اليوم بالنسبة لفرنسا، ولكن أيضا بالنسبة للعالم العربي؟
□ المشروع الذي يمثل بالنسبة لي الأولوية المطلقة لفرنسا، ولكن أيضا لجميع دول العالم بما في ذلك العالم العربي طبعاً؛ هو الحضور الإجباري للفن والثقافة في المدارس. بالنسبة لي فإن الفن والثقافة أهم من الرياضيات أو تعليم القراءة، لعدة أسباب: فالطفل أو الشاب ليس فقط بحاجة إلى تطوير ذكائه المفاهيمي، ولكن أيضا يحتاج إلى تطوير ذكائه الحساس. وتطبيق أحد الفنون كالموسيقى أو المسرح أو الرسم أو النحت يعد مصدر ثراء بالنسبة للطفل أو الشاب في المدارس الابتدائية والإعدادية. وانطلاقاً من تجربة طويلة؛ أؤكد لكم أنه أينما وجد الفن والثقافة في مؤسسة تعليمية فإن الطلبة ينجحون بشكل أفضل، إذ يشجع ذلك أيضا على تعلم المواد الأخرى بمزيد من الحماس. إذن هي مسألة حيوية وضرورية وأساسية.
وهذا المشروع، كنت قد أطلقته بين عامي 2000 و2002 عندما كنت وزيراً للتعليم مع وزيرة الثقافة وقتها كاثرين تاسكا وشكل ثورة صغيرة وخلق حماساً كبيرا. وأعتقد اليوم أن وزير التعليم الحالي جان ميشيل بلانكير قد بدأ يعيد هذا العمل، فيما يتعلق بفن الكورال. لكن يجب الذهاب أبعد من ذلك. أيضا، هناك فكرة تراودني منذ مدة وإن لم تتضح معالمها بعد بشكل كامل ولم أجد بعد حلّها التقني يتعلق الأمر بإقامة حدث أو معرض سنوي يوضح إلى أي حد تعتبر فرنسا – واسمح لي استخدم مقولة الراحل نيلسون مانديلا – إنه إلى أي حد تعتبر فرنسا بلد «قوس قزح» بدون أن تعلم. فعلى فرنسا أن تكون فخورة بأنها أكثر اختلاطاً وامتزاجاً. فالفرنسيون في بعض الأحيان يتكلمون اللغة العربية بدون معرفتهم بذلك، إذ أن هناك ما يناهز 800 كلمة مصدرها العربية نستخدمها بشكل يومي. وهذا من جماليات الإنسانية.

Advertisements


التصنيفات :اخبار دولية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: