وتربعت الاحتياطات المصرية على عرش قائمة احتياطات استراتيجية ضخمة من الطاقة في منطقة شرق المتوسط، التي تبلغ في مجملها نحو 122 تريليون قدم مكعب، الأمر الذي جعلها تتخذ خطوة تحسم هذا الصراع لصالحها.

والعام الماضي، غيرت مصر خريطة تجارة الغاز الطبيعي، بفضل إنتاجها المبكر من حقل ظهر، وهو الأكبر من نوعه في المنطقة وفقا لشركة الطاقة الإيطالية إيني.

وفي شهر يناير الماضي، اجتمعت دول بشرق المتوسط، واتفقت على إنشاء ”منتدى غاز شرق المتوسط“، على أن يكون مقره العاصمة المصرية القاهرة. ويضم المنتدى مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية.

وتقول مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لوري هايتيان، إن المنتدى يهدف للتعاون بين هذه البلدان لإيجاد أسواق لتصدير الغاز، ووضع سياساته في المنطقة، والتشارك في البنى التحتية الموجودة أو التي قد تنشأ في سبيل تسهيل عمليات الاستخراج والإنتاج.

وأردفت هايتيان قائلة إن المنتدى، الذي يهدف أيضا إلى تقديم أسعار تنافسية، بحسب ما جاء في بيان لوزارة البترول المصرية، يعد أبرز أحداث بدايات العام، ويدشن لأولى الخطوات العملية تجاه التعاون بين دول غاز شرق المتوسط.

صراع الخط الأطول والأعمق

وينظر البعض إلى منتدى غاز شرق المتوسط باعتباره نشأ في مواجهة منظومة إقليمية جديدة كانت على وشك التأسيس، الأمر الذي تستبعده مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

فقد أشارت هايتيان إلى أنه قبل أشهر كانت هناك اجتماعات مماثلة بين إسرائيل وقبرص واليونان لتحفيز أوروبا بشأن مد أطول وأعمق خط أنابيب للغاز تحت البحر في العالم، بطول 2000 كم، والمعروف باسم “إيست ميد” لنقل الغاز من حقول هذه الدول للاتحاد الأوروبي.

وأوضحت مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن مشاكل اقتصادية عدة تعوق تنفيذ خط أنابيب (إيست ميد) لنقل الغاز من حقول إسرائيل لقبرص لليونان لإيطاليا ومن ثم دول الاتحاد الأوروبي.

منظومة إقليمية جديدة كانت على وشك التأسيس
منظومة إقليمية جديدة كانت على وشك التأسيس

 وقالت: “هذا الخط سيتكلف، بحسب الدراسات، أكثر من 7 مليارات دولار، وحتى اليوم لم يبد أي بلد أو شركة أو مستثمر حماسا لإنشاء هذا المشروع. وبالتالي أصبح التحالف الجديد بين دول منتدى شرق المتوسط الأكثر معقولية وواقعية من حيث الجدوى الاقتصادية”.

ويعد إيست ميد أطول وأعمق خط أنابيب تحت الماء في العالم، وسيكون لديه القدرة على نقل ما يصل إلى 20 مليار متر مكعب من الغاز سنويا. ومن المتوقع أن تستغرق أعمال إنشائه من حوالي ستة إلى سبعة أعوام.

وسيكون الطريق الأقصر والأسرع لنقل هذا الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا عبر تركيا. لكن تركيا التي تريد حصة من احتياطات شرق المتوسط، تعترض على مشروع إيست ميد. كما تعارض بشدة أي استغلال لاحتياطات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالجزء المحتل من قبرص.

وتكمل هايتيان “بالإضافة إلى المعوقات الاقتصادية، يواجه المشروع مشاكل جيولوجية كبيرة؛ وبالتالي أعتقد أنه إذا انطلق التعاون بين دول منتدى غاز شرق المتوسط سوف تموت فكرة هذا الخط”.

“مصر تتفوق”

ويأتي إنشاء المنتدى في إطار سعي مصر للتحول لمركز إقليمي للطاقة في المنطقة، الأمر الذي تفسره هايتيان بقولها: “كان يوجد صراع بين مصر وتركيا على من سيصبح مركز الطاقة، ويبدو أن مصر تفوقت على تركيا في هذا المجال، إذ استطاعت أن تستقطب إليها دول غاز شرق المتوسط، كدولة عبور لأنابيب الغاز (ترانزيت)، وهذا ما كانت تسعى إليه أنقرة”.

لكن خلافات أنقرة مع كل من قبرص واليونان ومصر وإسرائيل تطغى على الموقف.

تشرح هايتيان، قائلة: “العلاقات بين دول غاز شرق المتوسط معقدة جدا؛ ويوجد الكثير من الخلافات أبرزها الصراع القبرصي التركي، والتركي المصري، وإذا أرادت الدول أن تستفيد من حقولها عليها أن تتعاون، وتشكل تكتلا شبيها بمنتدى غاز شرق المتوسط”.

 وتضيف “الصراع السياسي يلعب دورا مزدوجا في العلاقات بين دول غاز شرق المتوسط، فتارة نراه يعقد التعاون، وفي بعض الأحيان يساعد على التقارب بين البلدان”.

وأوضحت “غالبية دول منتدى غاز شرق المتوسط لديها مشاكل مع تركيا؛ لذا نرى قبرص تقترب أكثر من القاهرة، وتريد أن تنشأ أنبوب ينقل الغاز من أراضيها إلى مصر، ومن مصر إلى أوروبا، وهذا بالطبع يغضب تركيا”.

ومضت تقول: “يهم العالم العربي أن تكون مصر قوية، ودعمها كمركز إقليمي للغاز في المنطقة يعود لدورها كمحور أساس في العالم العربي”.

تركيا الخاسر الأكبر

ولم توجه دعوة إلى تركيا للمشاركة في اجتماع انطلاق منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة، رغم اهتمامها الواسع بتطوير موقعها كدولة عبور لأنابيب النفط والغاز الممتدة من الشرق وروسيا إلى أوروبا.

وتوضح هايتيان، قائلة: “تركيا بحاجة إلى الغاز من عدة مصادر، وفي ذات الوقت تريد أن تكون دولة عبور لأنابيب الغاز حتى تضمن أن لديها ورقة إضافية تجاه أوروبا؛ ومن أجل ذلك تريد أن تلعب دورا محوريا؛ فنراها تحسن علاقاتها مع روسيا من أجل تنفيذ مشروع خط أنبوب ترك ستريم”.

تركيا مهتمة بتطوير موقعها كدولة عبور لأنابيب الغاز
تركيا مهتمة بتطوير موقعها كدولة عبور لأنابيب الغاز

 وشهد شهر ديسمبر الماضي، افتتاح الجزء البحري من خط أنابيب “ترك ستريم” لنقل الغاز من روسيا إلى تركيا (الذي سيمتد لاحقا إلى أوروبا).

لكن مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عادت لتضيف قائلة: “لم تستطع تركيا أن تكون لاعبا أساسيا في شرق المتوسط. ربما تهدف لمحور آخر يضم سوريا لبنان والعراق، لتحقق حلمها في أن تكون دولة عبور لأنابيب النفط والغاز من البلاد الثلاثة، وذلك بالطبع مع مباركة روسية”.

حجم الغاز

– تقدر احتياطات الغاز في حقل ظهر بنحو 30 تريليون قدم مكعب، ولذلك يتصدر خريطة حقول الغاز في شرق المتوسط.

– وينافس ظهر المصري حقول غاز شرق المتوسط وأبرزها الحقول الإسرائيلية:

  • تامار الذي تقدر احتياطاته بنحو 10 تريليون قدم مكعب.
  • ليفياثان، أكبر حقل غاز في إسرائيل، وتقدر احتياطاته بنحو 18 تريليون قدم مكعبة (520 مليار متر مكعب).
  • وتانين ب2.1 تريليون قدم مكعب.

– بينما تمتلك قبرص حقل أفروديت الذي تبلغ احتياطاته 8 تريليونات قدم مكعبة.

وتقول هايتيان: “لا استكشافات للغاز في فلسطين وكذلك في الأردن، بينما تبدأ إسرائيل إنتاج الغاز من حقل ليفياثان”.

 وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو دشن مشروع ليفياثان، الخميس الماضي، مؤكدا أن تشغيله سيبدأ قبل نهاية العام الجاري.

وشدد نتانياهو، خلال مراسم تدشين الجزء الأسفل لمنشأة صناعة الغاز في ليفياثان على أن الغاز يشكل عنصرا حيويا في “قوة إسرائيل الاستراتيجية والطاقوية والاقتصادية والدبلوماسية”.

وقال: “تتحول إسرائيل إلى دولة عظمى في مجال الطاقة بفضل أنابيب ليفياثان التي ستربطنا بسوق الغاز الأوروبية، وستصل أيضا إلى جيراننا العرب”.

ولفتت هايتيان إلى أن “عقودا قد وقعت بين إسرائيل والأردن لتصدير واستيراد الغاز”، وهو نفس الأمر الذي أقدمت عليه بعض شركات الطاقة الخاصة في مصر أيضا.